
الحاج عبد الهادي التاجموعتي.. رجل البر و الإحسان
الحاج عبد الهادي التاجموعتي.. رجل البر والإحسان الذي ترك بصمته في ذاكرة فاس فاس – بوشتى شيبوب
هناك رجال تمر أسماءهم في الحياة مثل غيرها من
الأسماء، وهناك رجال تتحول سيرتهم إلى جزء من ذاكرة المدن، لأن ما تركوه وراءهم لم
يكن مجرد ثروة أو مشاريع، وإنما مؤسسات وأعمال اجتماعية وإنسانية ظلت شاهدة على
حضورهم حتى بعد رحيلهم.
ومن بين الأسماء التي ارتبطت بمدينة فاس خلال
القرن العشرين، يبرز اسم المرحوم الحاج عبد الهادي التاجموعتي، الذي جمع، بحسب
مصادر صحفية تناولت مسيرته، بين العصامية والعمل الصناعي والعمل الاجتماعي
والخيري، وترك وراءه عدداً من المبادرات والمؤسسات التي حمل بعضها اسمه.
من حرفة النحاس إلى عالم الصناعة
ولد عبد الهادي التاجموعتي بمدينة فاس سنة 1921،
وبدأ مساره المهني سنة 1945 من خلال الاشتغال بحرفة النحاس، قبل أن ينتقل تدريجياً
إلى العمل الصناعي.
وفي بداية ستينيات القرن الماضي، انتقل نشاطه إلى
منطقة عين قادوس بفاس، حيث أسس شركة تحمل اسم "التاج"، متخصصة في تحويل
الحديد والمعادن، لتتوسع تجربته لاحقاً إلى مجالات صناعية أخرى.
وتشير المصادر التي تناولت تجربته إلى أن مجموعة
التاج ارتبطت بعدد من المنتجات الصناعية والاستهلاكية، من بينها السيراميك والزليج
والبراغي، وأن منتجات شركة "كوصيما" التابعة للمجموعة أصبحت حاضرة في
عدد كبير من البيوت المغربية، خصوصاً منذ سبعينيات القرن الماضي.
وهكذا لم تكن رحلة التاجموعتي مجرد انتقال من
الحرفة التقليدية إلى الصناعة الحديثة، بل كانت أيضاً جزءاً من التحولات
الاقتصادية التي عرفتها مدينة فاس خلال القرن العشرين.
الصناعة في خدمة المجتمع
لكن الجانب الصناعي ليس سوى جزء من قصة الرجل.
فالمصادر التي تناولت سيرته تجمع على أن اسمه
ارتبط كذلك بأعمال اجتماعية وخيرية متعددة، وهو ما جعل صورته في الذاكرة المحلية
تتجاوز صورة رجل الأعمال إلى صورة المحسن الذي خصص جانباً من إمكاناته لخدمة
المجتمع.
ومن أبرز ما ارتبط باسمه مؤسسات ومرافق ذات طابع
اجتماعي وتربوي ورياضي، من بينها مؤسسات لرعاية الأطفال والأيتام، ومراكز للتكوين،
ومرافق صحية واجتماعية، إضافة إلى مؤسسات تعليمية ورياضية ومسجد الإمام مالك بفاس،
وفق ما أوردته مصادر صحفية تناولت سيرته.
وتحمل إحدى المؤسسات التعليمية بفاس اسم الحاج
الهادي التاجموعتي، كما تظهر في مصادر تربوية وأنشطة ثقافية وتعليمية مرتبطة
بالمؤسسة.
دار المسنين.. وجه آخر للعطاء
ومن أبرز الشواهد التي ما تزال حاضرة في المجال
الاجتماعي، المؤسسة الخيرية لرعاية المسنين الحاج عبد الهادي التاجموعتي بمنطقة
رأس الماء.
وقد احتضنت هذه المؤسسة أنشطة تضامنية وخيرية بعد
رحيله، من بينها مبادرات لفائدة نزلائها ونزيلاتها، وهو ما يعكس استمرار حضور
الاسم في العمل الاجتماعي بالمنطقة.
إن رعاية المسنين، بما تحمله من أبعاد إنسانية،
تجعل هذا النوع من المؤسسات أكثر من مجرد بناية أو مرفق اجتماعي؛ فهي فضاء للكرامة
والرعاية والاحتضان، وهي قيم ارتبطت في الذاكرة المحلية باسم التاجموعتي.
رجل الصناعة الذي اهتم بالخزف المغربي
ومن الجوانب اللافتة في تجربته أيضاً علاقته
بصناعة الخزف.
فقد تناولت دراسة صحفية تاريخ الصناعة التقليدية
بفاس، وأشارت إلى الدور الذي لعبه عبد الهادي التاجموعتي في تطوير إنتاج الخزف عبر
اعتماد أساليب صناعية حديثة، وإنتاج أوانٍ تحمل زخارف مستوحاة من الزليج المغربي
والأندلسي، مع حضور واضح للون الفاسي الأزرق.
وبذلك ارتبط نشاطه الصناعي أيضاً بمحاولة تقديم
منتوج مغربي يلائم حاجات الأسر المغربية ويحافظ في الوقت نفسه على عناصر من الهوية
الجمالية المحلية.
من المال إلى فعل الخير
ما يميز سيرة التاجموعتي، كما تقدمها المصادر
المنشورة، هو أن العمل الخيري لم يكن منفصلاً عن مساره الاقتصادي.
فالمؤسسات التي ارتبطت باسمه في مجالات التعليم
والرعاية الاجتماعية والرياضة والعمل الإنساني، جعلت جزء من ثمار العمل الاقتصادي
مشاريع ذات منفعة اجتماعية.
وهنا تتجسد إحدى صور البر والإحسان التي عرفها
المجتمع المغربي تاريخياً: أن تتحول الإمكانات الفردية إلى مؤسسات يستفيد منها
عموم الناس.
ذاكرة لم تنته برحيله
رحل الحاج عبد الهادي التاجموعتي سنة 2011 عن عمر
ناهز تسعين سنة، لكن اسمه لم يختف من الذاكرة الفاسية.
فبعد سنوات من رحيله، استمرت مبادرات تحمل اسمه،
من بينها تنظيم دوري رياضي في كرة القدم تخليداً لذكراه من طرف جمعية التاج
للتكافل، حيث جرى تقديم المبادرة باعتبارها مناسبة لاستحضار أعماله الاجتماعية
والخيرية.
كما نظمت النسخة الثانية من الدوري سنة 2019،
وشهدت فعالياتها الوقوف دقيقة صمت ترحماً على روح الراحل.
وهو ما يؤكد أن تخليد الشخصيات الاجتماعية لا يتم
فقط عبر النصب التذكارية أو أسماء المؤسسات، وإنما يمكن أن يستمر أيضاً من خلال
مبادرات المجتمع المدني التي تستحضر سيرتهم وقيمهم.
حين يصبح الاسم ذاكرة جماعية
في مدينة مثل فاس، حيث تتقاطع الذاكرة العلمية
والدينية والحرفية والتجارية والاجتماعية، يصبح لبعض الشخصيات حضور يتجاوز حدود
حياتها.
والحاج عبد الهادي التاجموعتي واحد من الأسماء
التي ارتبطت بهذه الذاكرة من خلال مسار طويل جمع بين الحرفة والصناعة، وبين النجاح
الاقتصادي والعمل الاجتماعي والخيري.
ولعل أهم ما يمكن استخلاصه من سيرته هو أن قيمة
الإنسان لا تقاس فقط بما راكمه من مال، وإنما أيضاً بما يتركه من أثر في حياة
الآخرين.
فالمعمل قد يتوقف، والمنتوج قد يتغير، والأجيال
تتعاقب، لكن المسجد والمدرسة والمركز الاجتماعي ودار الرعاية والمرفق الذي يخدم
الناس يمكن أن يواصل أداء رسالته لعقود.
فاس التي لا تنسى أبناءها
لقد أنجبت فاس عبر تاريخها علماء ومفكرين وصناعاً
وتجاراً ومحسنين، وكان من بينهم رجال اختاروا أن يجعلوا جزءاً من نجاحهم في خدمة
المدينة وساكنتها.
وبالنسبة إلى كثير ممن يستحضرون سيرة الحاج عبد
الهادي التاجموعتي، فإن صورته ارتبطت بهذا النموذج من رجال الأعمال الذين لم
يحصروا اهتمامهم في المجال الاقتصادي، بل امتد حضورهم إلى المجتمع.
ومن هنا تأتي أهمية إعادة قراءة سيرته اليوم، لا
باعتبارها مجرد قصة رجل أعمال من جيل سابق، وإنما باعتبارها جزءاً من تاريخ العمل
الاجتماعي والصناعي بمدينة فاس.
لقد رحل الرجل، لكن الاسم بقي حاضراً في مؤسسات
وأحياء وذاكرة أجيال.
رحم الله الحاج عبد الهادي التاجموعتي، وجعل ما قدمه من أعمال اجتماعية وإنسانية في ميزان حسناته




