غياب التنسيق بين وزارة الداخلية ووزارة العدل أفرز ثغرة قانونية حقيقية و خطيرة.

في الوقت الذي يستعد فيه المغرب لتطبيق نظام جديد في التبليغات القضائية يجعل من العنوان الوارد في البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية ، المرجع الرسمي والوحيد في الإشعارات والاستدعاءات، تبرز مفارقة قانونية قد تُربك المواطن…

هيئة تحرير سايس بريس
واتسابفيسبوك
غياب التنسيق بين وزارة الداخلية  ووزارة العدل  أفرز ثغرة قانونية حقيقية و خطيرة.

في الوقت الذي يستعد فيه المغرب لتطبيق نظام جديد في التبليغات القضائية يجعل من العنوان الوارد في البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية، المرجع الرسمي والوحيد في الإشعارات والاستدعاءات، تبرز مفارقة قانونية قد تُربك المواطن البسيط، وتضعه أحيانًا في موقف المتهم وهو لا يدري.

فالمشرّع من جهة شدّد على أن كل تبليغ قضائي يوجّه إلى العنوان المسجل في البطاقة يُعتبر قانونيًا وصحيحًا، حتى وإن لم يتوصل به المعني بالأمر فعليًا.

و في الواقع، المواطن الذي يغير عنوانه بسبب انتقاله الوظيفي او العملي او لاسباب اخرى، يجد نفسه مضطرا للانتظار هو و ابناءه لستة اشهر على الاقل، لتقديم طلب الحصول على شهادة السكنى إلى الملحقة الإدارية أو المقاطعة أو الباشوية المختصة بالحي الذي يقيم فيه الطالب. يتضمن الطلب نموذجاً يتوفر لدى الإدارة، يمكن تعبئته بالمعلومات الشخصية ومعلومات السكن.

فيما يلي نموذج لشهادة السكنى -بحث عون سلطة-

وبين هذين النصين، يجد المغربي نفسه أمام فراغ قانوني صامت، لكن خطورته كبيرة.

ستة أشهر من الصمت الإداري

لنأخذ مثالًا بسيطًا: مواطن انتقل في فاتح يناير إلى مدينة جديدة، واستقر هناك فعليًا، لكنه لا يستطيع قانونًا تغيير عنوانه في البطاقة قبل فاتح يوليوز.

إذا صدر خلال هذه المدة استدعاء قضائي أو حكم ما، فإن التبليغ سيُوجَّه إلى عنوانه القديم.

ولأن قانون المسطرة الجنائية الجديد يعتبر هذا العنوان هو المرجع الوحيد للتبليغ، فإن المواطن يُعتبر مبلّغًا قانونيًا، حتى لو لم يطأ العنوان القديم منذ شهور!

بهذا المنطق، قد يصدر حكم غيابي، أو قرار إداري أو حتى أمر تنفيذي ضد شخص لم يكن على علم بشيء من ذلك، فقط لأن القانون الإداري حرمه من تغيير عنوانه في الوقت المناسب.

النية الإصلاحية واضحة، لكن التنسيق غائب

لا شك أن نية المشرّع في جعل العنوان المسجل في البطاقة مرجعًا موحدًا للتبليغات خطوة مهمة نحو تحديث العدالة وتفادي تعطيل القضايا بسبب صعوبة الوصول إلى الأشخاص.

لكن غياب التنسيق بين وزارة الداخلية (الجهة المشرفة على نظام البطاقة الوطنية) ووزارة العدل (الجهة المشرفة على نظام التبليغ القضائي) أفرز ثغرة قانونية حقيقية.

إذ كيف يمكن للمواطن أن يتحمل مسؤولية عدم توصله بالتبليغ، بينما القانون نفسه يمنعه من تعديل عنوانه إلا بعد مرور ستة أشهر من الإقامة في عنوانه الجديد؟

إنها مفارقة تشريعية تستدعي وقفة جدية من الحكومة، لأن ضحاياها لن يكونوا المتلاعبين بالقانون، بل الناس العاديين الذين يغيرون محل سكنهم لأسباب مهنية أو اجتماعية.

الحل بين التعديل والمرونة

الحل القانوني السليم يمر عبر الغاء الستة اشهر التي تطلبها الادارة بعد تغيير عنوان المواطن، و إصدار دورية وزارية مشتركة تسمح بتحديث عنوان البطاقة فورًا بعد الانتقال، بشرط تقديم ما يثبت الإقامة الفعلية الجديدة.

وذلك انسجامًا مع روح قانون المسطرة الجنائية الجديد الذي يربط المسؤولية القانونية بعنوان البطاقة.

كما يمكنفي انتظار هذا التعديلتمكين المواطن من شهادة سكنى مؤقتة تقبلها المحاكم والنيابات كمرجع للإشعارات، تفاديًا لأي تبليغ باطل أو حكم غيابي غير عادل.

عدالة العصر الرقمي تحتاج إلى تماسك تشريعي

إن تحديث العدالة لا يقتصر على رقمنة المساطر أو تسريع التبليغات، بل يبدأ أساسًا من تناغم النصوص القانونية وتكاملها.

فحين تُحدث الدولة آلية حديثة من جهة، وتُبقي على قيد زمني إداري من جهة أخرى، فإن المواطن يصبح ضحية بين قانونين لا يتكلمان اللغة نفسها.

الإصلاح الحقيقي للعدالة الرقمية في المغرب يقتضي رؤية موحدة بين وزارتي العدل والداخلية، لأن الحق في التبليغ العادل هو أول ضمانة لحق الدفاع.

ولا معنى لاعتبار المواطنمبلَّغًا قانونيًا في عنوان قد تركه منذ نصف عام، فقط لأن التشريع لم يُحدّث خطوته الإدارية في الوقت المناسب.

خلاصة القول:

القانون الذي يربط التبليغ بعنوان البطاقة الوطنية خطوة إصلاحية نحو الشفافية،

لكنها ستظل ناقصة ما لم يُلغَ القيد الإداري الذي يمنع المواطن من تحديث عنوانه قبل مرور ستة أشهر.

فلا يمكن بناء عدالة رقمية على أساس إداري بطيء، ولا يمكن تحميل المواطن مسؤولية قانونية عن خطأ تشريعي لم يرتكبه.

شارك :واتسابفيسبوك

اقرا حتى هادشي