
هيئة تحرير سايس بريس · سايسبريس ·
سايسبريس – اعادت دورة أكتوبر العادية لمجلس جماعة فاس تسليط الضوء بقوة على الهوة السحيقة بين طموحات الإشعاع الثقافي والإكراهات الميدانية القاسية التي ترزح تحتها المدينة، وذلك على خلفية السجال المحتدم وغير المسبوق الذي رافق مناقشة اتفاقية الشراكة الرامية إلى دعم مهرجان فاس للثقافة الصوفية، ومقترح مضاعفة اعتماداته المالية لتصل إلى 100 مليون سنتيم.
لقد تفجرت هذه الأزمة التدبيرية والسياسية عندما أُدرجت الاتفاقية ضمن جدول أعمال الدورة، لتتحول سريعاً إلى صفيح ساخن تجاوز حدود الاختلاف الإداري أو الميزانياتي العادي، ويلامس جرحاً عميقاً تعاني منه العاصمة العلمية في ظل منظومة متكاملة من المشاكل الهيكلية المؤرقة التي تثقل كاهل الساكنة والتدبير المحلي على حد سواء، بدءاً من أزمة النظافة المستحكمة وتدهور البنيات التحتية للطرق الحضرية، مروراً بتآكل شبكات التطهير السائل التي تشكل كابوساً مع كل موسم أمطار، وصولاً إلى تعثر العديد من مشاريع القرب والتهميش التنموي الذي طال قطاعات اجتماعية حيوية تئن تحت وطأة الخصاص.
هذا الواقع المأزوم أشعل فتيل الغضب داخل قاعة الاجتماعات، وجعل أصواتاً عديدة داخل المجلس – وفي مقدمتها نائبة العمدة المكلفة بالثقافة والرياضة – تسجل تحفظات صارخة وامتناعاً صريحاً عن صيغة الرفع المفاجئ للدعم الموجه للمهرجان، معتبرة أن ضخ مبلغ مالي ضخم بقيمة 100 مليون سنتيم في تظاهرة موسمية عابرة، وسط شح حاد في الموارد المالية وعجز بين للجماعة عن الاستجابة لملفات اجتماعية ملحة، يبدو وكأنه انفصال تام عن أولويات المواطن الفاسي البسيط الذي ينتظر التفاتة تنموية حقيقية ترفع عنه غبن التهميش لا ترفاً احتفالياً موضع شبهة.
وأمام حدة الاحتقان السياسي واتساع رقعة الرفض داخل المجلس، والتي لم تقتصر بتاتاً على فرق المعارضة بل شطرت الأغلبية المسيرة نفسها وأحدثت انقساماً واضحاً داخل مكتبها، وجدت رئاسة المجلس نفسها محاصرة بزحمة الانتقادات وسيل من المداخلات الغاضبة، مما اضطر العمدة عبد السلام البقالي إلى الرضوخ لضغط النقاش وسحب النقطة من التداول في آخر لحظة، وإعادتها على عجالة إلى لجنة المالية قصد إعادة التدقيق الجذري في إطارها القانوني ومضامين دفاتر تحملاتها المالية والفنية.
ويمثل هذا التخبط التدبيري دليلاً ساطعاً لدى متتبعي الشأن المحلي على غياب رؤية استراتيجية واضحة لدى مسيري الشأن العام المحلي في كيفية المزاوجة الدقيقة بين حفظ الذاكرة الروحية والتاريخية للمدينة – التي تحتضن دورتها الثامنة عشرة تحت شعار "الشعر الصوفي، إكسير الشفاء" – وبين المسؤولية السياسية والأخلاقية المحتمة في تدبير المال العام بقواعد الحكامة وترشيد النفقات.
وبينما تتأهب لجنة المالية للكبّ على إعادة صياغة الاتفاقية وتقديم تقريرها لاحقاً، تظل مدينة فاس رهينة لمعضلة الاختيار الصعب بين الاستمرار في تكريس منطق المهرجانات الباذخة على حساب أبسط حقوق التنمية المحلية والخدمات الأساسية، وبين فرض معايير صارمة للشفافية ومبدأ ربط الدعم العمومي بالأثر التنموي والمجالي الملموس، وهو الجواب المرتقب الذي سيختبر بعمق إلى أي مدى تشعر مجالس المنتخبين بنبض الشارع الفاسي وهمومه اليومية الحارقة







