رماد الأمل وأسئلة المصير: حريق "حافة مولاي إدريس" بفاس ومساءلة الأمن الاجتماعي للتجار

رماد الأمل وأسئلة المصير: حريق "حافة مولاي إدريس" بفاس ومساءلة الأمن الاجتماعي للتجار

ZIANI AZIZ
واتسابفيسبوك

في الساعات الأولى من صباح يوم الثلاثاء 15 شتنبر 2026، لم تكن ألسنة اللهب التي التهمت سوق "حافة مولاي إدريس" بمنطقة بن دباب بمقاطعة المرينيين بمدينة فاس مجرد حادث عرضي طارئ، بل كانت ومضة كاشفة لواقع معقد يرزح تحت وطأته قطاع عريض من المهنيين الصغار. الحريق المهول الذي أتى على أكثر من 24 محلاً تجارياً، من ضمنها متاجر متخصصة في بيع الأثاث ومحلات أخرى تعج بالسلع والمواد القابلة للاشتعال، خلف وراءه دماراً مادياً جسيماً وفتح الباب على مصراعيه أمام جراح اجتماعية واقتصادية عميقة لا تخطئها العين.

وعلى الرغم من التدخل الميداني الحاسم لعناصر الوقاية المدنية، والتي عبأت إمكانيات بشرية ولوجيستيكية معتبرة لتطويق النيران ومنع امتدادها إلى النسيج السكني المأهول المجاور وتفادي وقوع كارثة بشرية تحصد الأرواح، إلا أن إخماد الدخان الظاهر لم يطفئ حرقة الأسئلة المؤجلة التي تطارد أصحاب تلك المحلات.

إن الفجوة بين السيطرة الميدانية على الحريق وبين معالجة تداعياته تضعنا وجهاً لوجه أمام سؤال مصيري حارق يتمثل في مآل تجار المدينة في ظل هذه الكارثة. فبالنسبة لهؤلاء المهنيين، لا يقتصر الضرر على خسارة جدران أو سلع احترقت في دقائق معدودة، بل يمتد إلى تبخر حصيلة سنين طويلة من الكد والاجتهاد، والضرب في عمق استقرارهم المعيشي والنفسي. إن رأس المال البسيط الذي صُنِع بعرق الجبين تحول في لحظة غفلة إلى رماد، لتجد عشرات العائلات الفاسية نفسها رهينة كابوس الإفلاس والتشرد المهني.

هذا الوضع يطرح مساءلة أخلاقية ومؤسساتية كبرى حول غياب آليات استباقية للحماية الاجتماعية والتأمين الشامل ضد المخاطر بالنسبة لمهنيي الأسواق الشعبية وشبه العشوائية. فالأبحاث القضائية التي باشرتها المصالح المختصة بتعليمات من النيابة العامة لكشف ملابسات الحريق، وتحديد ما إذا كان ناتجاً عن تماس كهربائي أو أسباب أخرى، تظل خطوة قانونية ضرورية لترتيب المسؤوليات، لكنها لا تبلسم جراح المتضررين ولا تجيب عن سؤال المعيش اليومي المهدد بالانقطاع.

ولا يمكن مقاربة حريق "حافة مولاي إدريس" بمعزل عن سياقه الزمني والمكاني؛ فبحسب شهادات محلية، تعيد هذه النازلة إحياء كوابيس قديمة تعود جذورها إلى سنوات سابقة في ظل مسلسل من الحرائق المتفرقة التي ضربت المنطقة على مدار العقود الماضية، مما يعكس خللاً بنيوياً وهشاشة مزمنة في البنيات التحتية وشروط السلامة والوقاية من المخاطر داخل هذه الفضاءات الحيوية.

إن استمرار الاعتماد على التدخلات الظرفية وردود الفعل الآنية عند وقوع الكوارث لم يعد مجدياً. فالمطلوب اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، هو بلورة استراتيجية جهوية ومحلية جريئة ومندمجة ترتكز على توفير مواكبة ودعم مادي واجتماعي عاجل للتجار المتضررين لإنقاذهم من شبح الإفلاس التام، والإسراع بتأهيل الأسواق التقليدية والعشوائية وتزويدها بمعايير السلامة الضرورية من شبكات إطفاء ذاتية ومراقبة للشبكة الكهربائية ومسالك آمنة للتدخل، فضلاً عن إدماج البعد الاجتماعي للمهنيين في صلب السياسات التنموية للمدينة لضمان ألا يتحول التاجر البسيط في فاس إلى ضحية دائمة لتقلبات الظروف وغياب شبكات الأمان.

إن مآل تجار فاس اليوم ليس مجرد ملف تقني أو خسائر مالية قابلة للإحصاء، بل هو اختبار حقيقي لمدى نجاعة السياسات المحلية في حماية النسيج التجاري التقليدي الذي يشكل جزءاً لا يتجزأ من الهوية الاقتصادية والتاريخية للمدينة العتيقة وضواحيها

شارك :واتسابفيسبوك

اقرا حتى هادشي