غيبوبة المشاعر.. هل نتحول إلى روبوتات بيولوجية؟"
{تحقيق موسع يغوص في ظاهرة التبلد الاجتماعي: الأسباب، المآسي، وطرق الخلاص } بقلم: اميمة بن رضوان في اللحظة التي يقرر فيها المرء أن يتوقف عن الاكتراث، يبدأ في تشييد جدار صامت بينه وبين العالم؛ هذا الجدار ليس مبنياً من…

{تحقيق موسع يغوص في ظاهرة التبلد الاجتماعي: الأسباب، المآسي، وطرق الخلاص }
بقلم: اميمة بن رضوان
في اللحظة التي يقرر فيها المرء أن يتوقف عن الاكتراث، يبدأ في تشييد جدار صامت بينه وبين العالم؛ هذا الجدار ليس
مبنياً من الحجارة، بل من خيوط غير مرئية من "التبلد الاجتماعي" الذي بات يتفشى كطاعون أبيض في العصر الحديث
، نحن لا نتحدث هنا عن مجرد رغبة في العزلة أو شعور عابر بالانطواء، بل عن تحول جذري في البنية الوجدانية
للإنسان، حيث تصبح المشاعر "حملاً زائداً" يقرر العقل التخلص منه للبقاء على قيد الحياة.
إن التبلد الاجتماعي هو حالة من "الموت السريري للمشاعر" في جسد حي، حيث يرى الفرد مآسي الآخرين فلا يهتز،
ويسمع ضحكاتهم فلا يبتسم، ويواجه أزماته الشخصية ببرود يشبه برود الموتى، وهو ما يصنفه الخبراء في مجال
النصائح الصحية
كالية دفاعية مفرطة يلجا اليها الجهاز العصبي عندما تتجاوز الصدمات قدرة الروح على الاحتمال.
هذا "التصحر النفسي" لا يأتي من فراغ، بل هو نتاج تضافر قوى تكنولوجية واقتصادية واجتماعية طحنت الفرد
المعاصر. فمن جهة، نجد أن "فرط الاتصال" الرقمي قد أدى إلى نتيجة عكسية تماماً؛ فالعين التي تشاهد آلاف الصور
والمآسي والأخبار العاجلة كل يوم عبر الشاشات، أصيبت بنوع من "العجز عن الاندهاش". أصبحت دماء الضحايا
ودموع المنكوبين مجرد كبسولات ملونة نتجاوزها بلمسة إصبع، مما خلق جيلاً يعاني من "إعياء التعاطف" كما تصفه
أبحاث الخبراء المتخصصين في علم النفس و السلوك الإنساني ، ومن جهة أخرى فرضت الرأسمالية المتوحشة نمطاً
من الحياة يقدس "الأداء" على حساب "الإنسان"، فأصبح الفرد يخشى إظهار مشاعره حتى لا يُنظر إليه ككائن ضعيف
أو غير منتج، مما دفع الملايين لارتداء قناع البرود الاجتماعي كدرع واقٍ في غابة لا ترحم.
وعندما نغوص في الجانب البيولوجي لهذا الخمول الشعوري، نكتشف مأساة أعمق؛ فالدماغ البشري تحت ضغط التوتر
المزمن يبدأ في إعادة ضبط كيمياء السعادة والارتباط. تنخفض مستويات السيروتونين والأوكسيتوسين، وتتعطل
مسارات "الخلايا العصبية المرآتية" التي تجعلنا نشعر بما يشعر به الآخرون. هنا يتحول الإنسان إلى "آلة معالجة
بيانات"، يدرك المواقف بعقله لكنه لا يتفاعل معها بقلبه. هذا الانفصال، يؤدي إلى تآكل الروابط الأسرية والاجتماعية؛
فالزوج الذي لا يشعر بوجع زوجته، والأب الذي لا تثيره ضحكة طفله، هم ضحايا لهذا التبلد الذي يحول البيوت إلى
"فنادق باردة" يسكنها غرباء يتقاسمون الطعام والشراب، لكن أرواحهم تعيش في مجرات متباعدة.
لكن الطريق نحو استعادة "الإنسانية المفقودة" ليس مستحيلاً، وإن كان يتطلب جراحة نفسية مؤلمة لإزالة هذا الخدر.
أولى خطوات الحل تبدأ بـ "المواجهة بالصدمة العاطفية"؛ أي التوقف تماماً عن الهروب خلف الشاشات ومواجهة
الواقع بكل بشاعته وجماله. يجب على الفرد أن يمارس ما يسميه المختصون في كيورا بـ "التعرض العاطفي
المتدرج"، وهو وضع النفس عمداً في مواقف تتطلب استجابة وجدانية، مثل التطوع في دور الأيتام أو مراكز رعاية
المسنين، حيث لا يمكن للآلة أن تحل محل اللمسة الإنسانية، هذه المواجهات الفيزيائية المباشرة تعيد تنشيط مراكز
العاطفة التي تعطلت بفعل العزلة الرقمية.
كذلك، تبرز أهمية "العلاج السلوكي المعرفي" كأداة حاسمة لتفكيك المعتقدات الجوهرية التي غفرت للتبلد وجوده. يجب
على المتبلد أن يدرك أن "الألم" ليس عدواً يجب تخديره، بل هو دليل على أنه لا يزال حياً. إن قبول الضعف الإنساني
والاعتراف بالهشاشة النفسية هو قمة الشجاعة، وليس عاراً كما تروج الثقافة الاستهلاكية. كما تنصح المنصات الطبية
بضرورة اللجوء إلى "التفريغ الانفعالي" من خلال الفن، أو الكتابة الحرة، أو حتى الصراخ في مساحات خالية؛
فالمشاعر المكبوتة لا تموت، بل تُدفن حية لتعود وتظهر في شكل تبلد اجتماعي أو أمراض عضوية مستعصية.
إن الحل النهائي يكمن في إعادة تعريف "الارتباط"؛ فالمجتمعات التي تغلبت على التبلد هي تلك التي استعادت
"الطقوس الجماعية" والتواصل الجسدي الحقيقي. نحن بحاجة إلى ثورة ضد "البرود" تقودها القلوب التي لا تزال
تنبض، لانتشال أولئك الذين غرقوا في رمال اللامبالاة المتحركة. إن التبلد الاجتماعي هو صرخة صامتة تقول: "أنا
أتألم لدرجة أنني لم أعد أشعر بالألم"، والرد على هذه الصرخة لا يكون بالمنطق، بل بالاحتواء والتعاطف وإعادة إحياء
القدرة على البكاء؛ فالعين التي لا تبكي، والقلب الذي لا يرتجف، هما خسارة فادحة لإنسانيتنا التي تميزنا عن الاليات
الصماء.
اقرا حتى هادشي
مجتمعبقدرات ذكية وتطوير مغربي 100%.. الأمن الوطني يشرع في العمل الميداني بسيارتي "أمان" و"مدار" بالعاصمة الرباط
مجتمعبلاغ..314 عاملًا وعاملة من “سيكوميك” يحصلون على أحكام نهائية بالتعويض
مجتمعمكنت عناصر الشرطة القضائية بمنطقة أمن سيدي البرنوصي بمدينة الدار البيضاء، صباح اليوم الجمعة 17 يوليوز الجاري، من توقيف شخص يشتبه في تورطه في قضية تتعلق بالاحتجاز المقرون بارتكاب اعتداء جنسي و
مجتمع