مع ارتفاع أسعار الغاز إلى مستويات قياسية، يأتي أحد البدائل المتجددة لغاز الوقود الأحفوري من نفايات الطعام وحمأة المزارع ومياه الصرف الصحي (الجزء الاول)

د. الحسن اشباني

خبير في الامراض النباتية البكتيرية

 و المكافحة الحيوية و صحفي مهني معتمد

 

المقدمة :

يسعى العالم حول إيجاد طرق بديلة لإنتاج الطاقة لتحل محل الطرق التقليدية التي تؤدي إلى تلويث البيئة، فهنالك العديد من مصادر الطاقة النظيفة التي تتم دراستها حاليًا كطاقة الشمس والرياح والوقود الحيوي، إذ يمكن الاعتماد على الوقود الحيوي لإنتاج غاز الميثان من روث الحيوانات وخصوصًا من مخلفات الأبقار، حيث إن مليون متر مكعب من المخلفات الحيوانية السائلة من الممكن أن تنتج 20 متر مكعب من الغاز الحيوي. وتعد تكنولوجيا البيوغاز أحد أهم المشروعات البيئية الناشئة  أيضا في الدول العربية التى تضمن تخلص آمن من المخلفات وفى نفس الوقت تحقق عائد اقتصادي للمواطن من خلال توفير غاز حيوى وسماد عضوى بالإضافة إلى توفير فرص عمل خضراء للشباب، فما هو اذن غاز الميثان الذي يتكلم  عنه الان اكثر منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا في 24 فبراير 2022، كأحد البدائل المتجددة لغاز الوقود الأحفوري المستخرج باستعمال نفايات الطعام وحمأة المزارع ومياه الصرف الصحي، موضوع مقالنا في هذا العدد.

تعد تكنولوجيا البيوغاز أحد أهم المشروعات البيئية الناشئة  أيضا في الدول العربيةالصورة : مشروع انتاج البيوغاز من المخلفات الزراعية بإحدى الدول العربية

ما هو غاز الميثان:

تم استخدام هذا الغاز قديما في القرن الثالث عشر، حيث كان الصينيون يضعون صهاريج لتغطية المجاري، وتنشأ عنها مادة تعمل كمصدر لتوليد الطاقة وهو غاز الميثان. يُرمز لغاز الميثان كيميائيا  CH4، ويتكوّن من أربع جزيئات من الهيدروجين وجزيء من الكربون، وهو مصدر مهم لتوليد الطاقة لأنه أحد المكونات الرئيسية للغاز الطبيعي، ويُستخدم لتشغيل المحرّكات والآلات، كما يُستخدم أيضاً لأغراض التسخين مثل الطبخ، و يتميز بقُدرته العالية على تسخين الجو إذا تمّ تسريبه مما يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة بشكل كبير.

الميثان كيميائيا يرمز اليه ب  CH4، ويتكوّن من أربع

جزيئات من الهيدروجين وجزيء من الكربون

يتمّ استخراج الميثان من الرواسب الجيولوجية، ويُمكن الحصول عليه أيضاً من قاع المستنقعات والبحار والمحيطات، كما يتم الحصول عليه من تحلّل المواد العضوية، ويُستخرج من الفحم الحجري، وفي حالته الخام يكون الميثان عديم الرائحة، ولتسهيل الكشف عن تسرب، تتمّ إضافة الكبريت إليه عند تصنيعه.

كيفية إنتاج غاز الميثان من روث الحيوانات

تتم كيفية إنتاج غاز الميثان من روث الحيواناتعادةً بالخطوات الآتية:

  • تجمع مخلفات الحيوانات وخاصةً روث الأبقار وتخلط مع أي بقايا زراعية عضوية أخرى في المزارع داخل آلات هاضمة يمكن تسميتها أيضا مخمرات بيوغاز.
  • يوفر هذا الخليط بيئة مناسبة لتكاثر الكائنات الحية الدقيقة ونموها، مما يؤدي إلى حدوث عدد من العمليات الكيميائية التي تؤدي إلى إنتاج غاز الميثان من روث الحيوانات في النهاية، وهذه العمليات تشمل ما يأتي:
  • تحليل المركبات العضوية المعقدة كالكربوهيدرات والدهون والبروتينات لتنتج مواد أبسط كالسكريات والأحماض الأمينية والدهنية.
  • تحويل المواد العضوية البسيطة السابق ذكرها إلى حموض دهنية متطايرة. تفاعلات كيميائية تحول هذه الحموض إلى حمض الأسيتيك وغاز الهيدروجين وثاني أكسيد الكربون و أيونات الأمونيوم وغيرها.
  • تحول نواتج التفاعل السابق إلى غاز الميثان وثاني أكسيد الكربون.
  • تجمع غازات الميثان الناتجة في محركات لتحويلها إلى طاقة والتي غالبًا ما تكون كافية لتلبية احتياجات المزرعة من الطاقة، حيث إن مزرعة بها حوالي 1000 بقرة تنتج 250-300 كيلو واط من الكهرباء يوميًا مما يكفي لإنارة 300 منزل.

حرب روسيا على أوكرانيا وتداعياتها على أسعار الغاز و الحديث عن البدائل

في منشأة صناعية كبيرة ليست بعيدة عن جنوب غرب العاصمة الأيرلندية دبلن، يقول رجل اسمه بيلي كوستيلو انه يمكن لمخلفات الطعام القديمة وروث الخنازير أن تساعد أوروبا في مكافحة تغير المناخ – وتقليل اعتمادها على روسيا للحصول على الطاقة. ويوضح أن المواد العضوية المتحللة تطلق الغاز الحيوي، والذي يمكن لشركات مثل الجيل الاخضر  Green Generation ، الشركة التي يديرها، جمعها وتنقيتها لإنتاج الميثان، أو الميثان الحيوي كما يطلق عليه عندما يأتي من مثل هذه المصادر.

يمكن حصاد النفايات من المزارع واحتجاز غاز الميثان الخاص بها ليتم

استعماله كوقود بديل، بدلاً من إطلاقه في الغلاف الجوي

إنها فرصة للعثور على مصادر للطاقة غير الغاز الطبيعي الذي توفره روسيا وبالتالي إبعاد أنفسنا عن نظام فلاديمير بوتين، كما يقول: “أفضل شيء هو أن تتمكن من إنتاج الغاز، ووضعه في السوق واستبدال بوتين”.

ولقد تبين انه منذ أن شنت روسيا حربها على أوكرانيا يوم 24 فبراير 2022، واجهت الحكومات الأوروبية سيناريو صعبًا من جهة بفرض عقوبات على روسيا ورجال الأعمال الأثرياء المقربين من الرئيس بوتين، بينما تستمر من جهة أخرى في شراء ملايين الدولارات من الغاز يوميًا من روسيا. اذ تحصل أوروبا على ما يقرب من 40٪ من غازها الطبيعي من روسيا، مما جعل بعض الدول مترددة في اتباع الولايات المتحدة في فرض حظر على واردات الوقود الأحفوري الروسي.

تجاوزت العقود الآجلة للغاز في أوروبا الحد الأقصى التاريخي، متخطيةً 2226 دولاراً

لكل 1000 متر مكعب في شهر مارس 2022.

فضلا على معطى جديد يهم العملة التي تفرضها روسيا لبيع نفطها وغازها وهي الروب الروسي بدل الدولار او اليورو، الذي سيعقد الأمور كثيرا.

لهذا السبب قررت المفوضية الأوروبية مؤخرًا وضع أهداف جديدة وطموحة لإنتاج الميثان الحيوي وايجاد مصادر الوقود الأخرى في أوروبا. وقالت رئيسة المفوضية، أورسولا فون دير لاين Ursula von der Leyen، بانه يجب على اوروبا أن نصبح مستقلة عن النفط والفحم والغاز الروسي. ولا يمكنها ببساطة الاعتماد على مورد يهددها صراحة. ويعني هذا التصريح استبدال حوالي 150 مليار متر مكعب من الغاز الروسي بغاز من مصادر أخرى واستخدام مجموعة متنوعة من الطاقات البديلة أيضًا. كما تأمل المفوضية أن يحل الميثان الحيوي محل ما يعادل 35 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، وهو ما يمثل زيادة بأكثر من 10 أضعاف عن إنتاج الميثان الحيوي الأوروبي الحالي الذي يبلغ حوالي 3 مليار متر مكعب فقط.

مقر المفوضية الأوروبية : مبنى برليمون في بروكسل بلجيكا

 

تخطط المفوضية الأوروبية  في الزيادة  من انتاج الغاز الحيوي في أوروبا بأكثر من عشرة أضعاف. الصورة : أجهزة الهاضم اللاهوائي او المخمر البيوغاز في المملكة المتحدة

 في مصنع الجيل الأخضر  Green Generation، يتم ضخ الأغذية القديمة من سلسلة الأسواق الكبيرة والسماد من مزرعة الخنازير القريبة وغيرها من النفايات إلى جهاز عملاق للهاضم اللاهوائي. لدى المزارع كوستيلو  Costello مجموعة من المشترين للميثان الحيوي الذي يجمعه من هذا النظام، بما في ذلك الزبناء في المملكة المتحدة الذين يستخدمونه في السيارات  التي تشتغل بالغاز.

يمكن أيضًا حرق الميثان الحيوي، باعتباره مطابقًا كيميائيًا للغاز الطبيعي، لتوليد الكهرباء أو إرساله عبر شبكة غاز الخاصة بالمنازل. ويذكر انه تم استخدام حوالي نصف الميثان الحيوي المستهلك في أوروبا في عام 2015 للتدفئة المنزلية.

ومع ذلك، هناك نوعان من الاختلافات الرئيسية بين الغاز الطبيعي والميثان الحيوي. أولاً، يمنع التقاط المباشر لغاز الميثان من المواد المتحللة الذي كان من الممكن أن يتسرب إلى الغلاف الجوي. هذا مهم لأن الميثان هو غاز من غازات الدفيئة الذي هو أقوى بحوالي 84 مرة من ثاني أكسيد الكربون عند قياسه على مدى 20 عامًا. وعند الاحتراق، يطلق الميثان الحيوي الكربون الذي كان متداولًا بالفعل، في حين أن الغاز الطبيعي، باعتباره وقودًا أحفوريًا، يطلق الكربون الذي كان من الممكن أن يظل محتجزًا تحت الأرض لولا ذلك.

ثانيًا، يمكن إنتاج الميثان الحيوي في مواقع أكثر بكثير من الغاز الطبيعي، مما يعني أنه يمكن للبلدان تجنب الاضطرار إلى الاعتماد على تلك التي لديها احتياطيات من الوقود الأحفوري.

يقول بيلي كوستيلو إن هناك الكثير من النفايات التي تُهدر، كما الحال دائما، في أوروبا والتي يمكن بدلاً من ذلك معالجتها بواسطة صناعة الغاز الحيوي.

فضلا عن ذلك، يمكن أن تعمل أجهزة الهضم اللاهوائية على مجموعة متنوعة من المواد، أو المواد الأولية، بما في ذلك حمأة مياه الصرف الصحي، والدهون الحيوانية، والأعشاب البحرية، ومخلفات الغابات، وشتلات العشب بالإضافة إلى الأطعمة المنزلية المهملة وروث الحيوانات.

لكن كوستيلو يشك كما الاخرون في أن هناك بالفعل ما يكفي من النفايات في أوروبا للوصول إلى الهدف الضخم الذي حددته المفوضية الأوروبية وهو35 مليار مكعب من الغاز.

تقول تشيلسي بالدينو Chelsea Baldino، الباحث الذي يهتم على الوقود في المجلس الدولي للنقل النظيف ان هذا الرقم المقترح أعلى بكثير مما نراه ممكنًا لعام 2030 باستخدام هذه النفايات والمواد الأولية المتبقية .

لا تكمن المشكلة في الحاجة إلى كميات هائلة من النفايات فحسب، بل في ضرورة نقل هذه المواد إلى حيث توجد أجهزة الهضم اللاهوائية، كما يجب أيضًا تنقية الغاز المنتج. ان التوسع الهائل في صناعة الميثان الحيوي في أوروبا ليس بالأمر الهين (حاليًا توجد مجموعة من المصانع الصغيرة نسبيًا والمنتشرة في جميع أنحاء القارة).

كما يشعر الاخرون بالقلق من أن ينتهي الأمر بأوروبا باستخدام محاصيل مثل الذرة في الاندفاع لتجميع ما يكفي من المواد العضوية القابلة للتحلل الحيوي لأسطول أوروبا الناشئ من الاجهزة الهاضمة اللاهوائية. وهنا سيصبح الميثان الحيوي أقل ضررا للبيئة.

اضف الى هذا انه حينما تستخدم هذه المحاصيل لإنتاج الغاز الحيوي أو الوقود الحيوي، فإن اسعارمحاصيل الغذاء والأعلاف سترتفع أسعار مما سينتج عنه الزيادة من الأراضي الإنتاجية.

وقد يؤدي ذلك إلى تسريع تدمير الغابات المطيرة في الجانب الآخر من العالم، إذا أدى ارتفاع الطلب على هذه المحاصيل في أوروبا إلى توسع الأراضي الزراعية في أماكن مثل غابات الأمازون المطيرة. كما يمكن لمثل هذا السيناريو أن يفيد أن التحول إلى الميثان الحيوي لن يقلل من الانبعاثات بالقدر الممكن المشجع.

والمعروف  حاليًا في أوروبا أن حوالي نصف الميثان الحيوي المنتج يأتي من علف الذرة، والذي غالبًا ما يستخدم كعلف للحيوانات. لذا  يفضل البعض أن تعتمد صناعة الميثان الحيوي على مصادر النفايات. لكنهم يقدرون أن القيام بذلك قد يحد من الإنتاج إلى 15 مليار متر مكعب أو أقل بحلول عام 2030.

ويبدوا جليا أن هناك خلافًا كبيرًا حول كمية الميثان الحيوي التي يمكن أن تأتي من مصادر النفايات في أوروبا في غضون ثماني سنوات فقط، اذ تعتبر جمعية الغاز الحيوي الأوروبية الاكثر تفاؤلاً، إن 35 مليار متر مكعب يمكن تحقيقها دون الاعتماد على المحاصيل الغذائية مثل الذرة.

في غضون ذلك ، تقول وكالة الطاقة الدولية إن هناك “إمكانات محدودة” لتوسيع إنتاج الميثان الحيوي على المدى القصير بسبب المهلة اللازمة لمثل هذه المشاريع. وتقترح الوكالة أنه يجب الجمع بين عدد من الإجراءات المختلفة، بما في ذلك زيادة واردات الغاز من دول إلى جانب روسيا، من أجل تحقيق ما يقرب من 30 مليار متر مكعب من إمدادات الغاز البديل في المدى القريب.

سواء كان هدف اللجنة قابلاً للتحقيق أم لا، يقول المؤيدون في الصناعة أن إنتاج الميثان الحيوي يمكن أن يزيد بشكل حاد في السنوات القادمة.

ان هناك أيضا جزءا من التحدي مع الميثان الحيوي الذي هو تعقيد عملية الهضم اللاهوائي نفسها. على الرغم من أنه يمكن استخدام مجموعة كبيرة من المواد الأولية لإنتاج الغاز الحيوي في الاجهزة الهاضمة، إلا أن الباحث كاري-آن لينج Kari-Anne Lyng الذي يعد كبير الباحثين في المعهد النرويجي لأبحاث الاستدامة، يقول إن لديها جميعًا مستويات مختلفة من البروتين ومركبات أخرى مثل الأمونيا. اذ تقوم الميكروبات التي تهضم هذه المواد الأولية بعملها بشكل أفضل عندما تكون هذه الجزيئات متوازنة بشكل جيد. إذا لم تكن كذلك، فإن البيئة داخل الهاضم تصبح سامة للميكروبات المحددة الموجودة بداخلها والتي تصنع الميثان.

 

يتبع في الجزء الثاني

 مع تحياتي انا الحسن اشباني

 

التعليقات مغلقة.