لا مفر للإنسان من الاقتصاد الواعد المسمى بالدائري

لا مفر للإنسان من الاقتصاد الواعد المسمى بالدائري

د. الحسن اشباني

مدير البحث سابقا و صحفي معتمد

 

الاقتصاد الدائري (يشار إليه باسم “الدائرية”) هو النظام الاقتصادي الذي يؤدي إلى القضاء على الهدر والاستخدام المستمر (الاقتصاد الخطي المستعمل حاليا بقوة). تستخدم الأنظمة الدائرية إعادة استخدام و مشاركة و إصلاح و تجديد و إعادة تصنيع و إعادة تدوير نظام حلقة مغلقة، مما يقلل من استخدام مدخلات الموارد وإنشاء نفايات والتلوث وانبعاثات الكربون. بمعنى اخر، يختلف الاقتصاد الدائري اختلافًا جوهريًا عن الاقتصاد الخطي. وببساطة، في الاقتصاد الخطي نقوم باستخراج المواد الخام التي نعالجها وتحويلها إلى منتج يتم التخلص منه بعد الاستخدام. اما في الاقتصاد الدائري، نغلق دورات كل هذه المواد الخام بحيث نحد من الإسراف في الموارد الطبيعية مع بقاء في رفاهية مستدامة للفرد.

 

المقدمة : إن المنظومة الاقتصادية التي يتبعها الى حدود الان العالم المتقدم و معه بالتقليد بلدان العالم النامي هو ما يصطلح عليه نموذج الاقتصادي الخطي الذي صاحب بزوغ وتطور الثروة الصناعية واعتمد على سلاسل خطية للإنتاج وللاستهلاك لا تتماشى مع التطور على المدى البعيد بحيث ركز أساساً على العناصر الثلاثة “استخراج، تصنيع، رمي”، مستعملا كميات هائلة من الموارد والطاقات الطبيعية ادت باستنفاذ قاعدة الموارد الطبيعية، وساهم في تدهور الأنظمة البيئية بشكل كبير تنذر في حالة الاستمرار على نفس المسار الى تدهور سريع و مستمر للحياة العادية للبشر على هذه البسيطة وخصوصا للأجيال المقبلة، مما دفع علماء المؤسسات الأممية التعدد الاختصاصات بدق ناقوس الخطر والمطالبة بالسعي في إيجاد نماذج اقتصادية بديلة صديقة للبيئة وأقل استنفاذ لمواردها وأكثر استدامةً يحقق للإنسان حياة كريمة.

ونتاجاً لهذا السعي برز نموذج جديد يجمع العديد من الباحثين والمختصين انه الحل الوحيد لمواجهة تحديات واستدامة النظم البشرية والوقوف في وجه القضايا المتعلقة بندرة الموارد وضرورة التقليل من النفايات، يطلق عليه :

الاقتصاد الدائري.

يهدف الاقتصاد الدائري المبني الى خلق قيمة ايجابية على المستوى الاجتماعي و الاقتصادي والبيئي، ويسعى أساسا الى تغيير كل أساليب الإنتاج، وأنماط الاستهلاك غير المستدامة من خلال الاستخدام الرشيد للموارد، و إعادة التدوير والتصنيع للمواد والمنتجات، و التصميم البيئي والايكولوجيا الصناعية، بحيث يُشكل وسيلة للتنمية المستدامة من شأنها توجيه الدول إلى تحقيق الأمثلية في استغلال الموارد المحدودة والحفاظ على الطاقة بغية تحقيق رفاه المجتمع.

ويرجع الفضل للسويسري والتر ستاهيل (Walter Stahel)، الذي تحدث لأول مرة عن مفهوم الاقتصاد الدائري في عام 1982، و الذي وصفه على أنه التمديد والاطالة في مدة حياة الاشياء، واصلاحها واعادة استعمالها. وبالتالي الاستفادة قدر الامكان من المنتجات، وذلك بإعادة تدويرها لخلق قيمة جديدة تساهم في تحقيق رفاه المجتمع والحد من التأثيرات السلبية على الطبيعة. وقد زاد الاهتمام بهذا المفهوم بشكل كبير وواسع خصوصا مع ظهور المؤسسة البريطانية إلين ماك آرثر سنة 2010، التي تبنت فكرة هذا النموذج الجديد من خلال نشره في كثير من المجامع كمجتمع الأعمال، والحكومات، والأواسط الأكاديمية والمنظمات، محفزا اياها من اجل التفعيل السريع لمقتضيات هذا الاقتصاد الدائري الذي يتسم بالمرونة والابتكار. و بعد ذلك انتشرت مختلف التعاريف لهذا المصطلح الجديد للاقتصاد والتي تختلف فقط في شكل المفاهيم المستعملة ساعية بذات الوقت الى الترويج للاقتصاد الدائري.

تعريفات الاقتصاد الدائري:

الاقتصاد الدائري مصطلح عام اصلاحي للاقتصاد حسب إلين ماك آرثر، الذي ينقسم تدفقات المواد إلى نوعين، المواد البيولوجية التي تهدف للعودة إلى المحيط الحيوي، والمواد التقنية التي ترمي إلى الاستمرار في شكل حلقة مع فقدان منخفض في الجودة بقدر الإمكان، تؤدي  -أي الحلقة- إلى التغيير نحو اقتصاد مدعوم في النهاية بالطاقة المتجددة، وانه نظام يتم من خلاله إعادة صياغة الأشياء.

الاقتصاد الدائري ليس اقتصاد النفايات ولا اقتصاد إعادة التدوير. إنه يجمع مجموعة من الممارسات، مرتبة وفقًا لتأثيرها، بهدف تحسين استخدام المواد والطاقة. وﻳُﻌﺮﱠف ﺑﺄﻧﻪ اﻻﻗﺘﺼﺎد اﻟﺬي ﻳﺴﻌﻰ إﱃ اﻟﺤﻔﺎظ على ﻗﻴﻤﺔ اﻟﻤﻨﺘﺠﺎت واﻟﻤﻮاد واﻟﻤﻮارد ﻷﻃﻮل ﻓﺘﺮة ﻣﻤﻜﻨﺔ، وﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻳﺴﺎﻋﺪ ﻓﻲ ﻓﺼﻞ اﻟﻨﻤﻮ ﻓﻲ اﻟﺘﺼﻨﻴﻊ واﻹﻧﺘﺎج واﻻﺳﺘﻬﻼك ﻋﻦ اﺳﺘﺨﺪام اﻟﻤﻮارد اﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ، وﻳﻌﺪ ﺑﻤﻨﺎﻓﻊ اﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ واﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ و ﺑﻴﺌﻴﺔ.

وقد أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1983 اللجنة العالمية المعنية بالبيئة والتنمية تحت اسم برونتلاند  (Brundtland) و التي نشرت تقريرا لها سنة 1987 عنونته ب “مستقبلنا المشترك” جاء فيه أول تعريف للتنمية المستدامة الذي لاقى  في البداية نفورا من المهتمين، ربما لصعوبة فهمه آنذاك. وعقد بعد ذلك مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية في ريو دي جانيرو بالبرازيل (Rio Earth Summit) سنة 1992 الذي وضع حين ذاك معالم كل الأعمال والممارسات التي ستحقق التنمية المستدامة. و بعده ب 8 سنوات، جاءت قمة نيويورك 2000، لتضع مجموعة من الأهداف نعتتها ب “اهداف الألفية للتنمية”، حيث حدد ت فيه سنة 2015 كإطار زمني لتحقيقها. ثم بعدها، القمة العالمية للتنمية المستدامة في عاصمة جنوب افريقيا جوهانسبورغ والتي أكدت على الأهداف المذكورة أعلاه وعززتها ببعض الإضافات الأخرى.

وقد عرفت الأمم المتحدة الاقتصاد الدائري على النحو التالي المحدد من قبل لجنة برونتلاند: “الاقتصاد الدائري هو نظام للإنتاج والتبادلات والاشراك يسمح بالتقدم الاجتماعي والحفاظ على رأس المال الطبيعي والتنمية الاقتصادية.

ويهدف في اخر المطاف الى انجاح فصل النمو الاقتصادي عن استنفاد الموارد الطبيعية من خلال إنشاء منتجات وخدمات ونماذج أعمال وسياسات عامة، مبتكرة تأخذ في الاعتبار جميع التدفقات طوال عمر المنتوج أو الخدمة.

ويعتمد هذا النموذج حسب الاخرون على الاستخدام الأمثل للموارد وإنشاء حلقات بقيمة إيجابية، وبالاهتمام بشكل خاص بالأساليب الجديدة للتصميم والإنتاج والاستهلاك، وإطالة عمر استعمال المنتجات، وإعادة استخدام مكوناتها وإعادة تدويرها.

اما التعريف الأكثر شيوعًا في فرنسا، البلد الذي ننقل منها ترساناتنا القانونية جميعها، والذي يتبنى التعريف المقدم من وكالة إدارة البيئة والطاقة (ADEME) وهي مؤسسة عامة تخضع لإشراف وزارة التحول البيئي والشامل ووزارة التعليم العالي والبحث والابتكار بفرنسا. تصف هذه الوكالة الاقتصاد الدائري كالتالي :

“الاقتصاد الدائري هو نظام اقتصادي للتبادل والإنتاج الذي يهدف طوال جميع مراحل دورة حياة المنتجات (السلع والخدمات)، إلى زيادة فعالية استخدام الموارد وتقليل التأثير على البيئة مع السماح برفاهية الأفراد “. وسنتحدث في هذا المقال عن التجارب و التي يصفها البعض بانها نموذجية نحو التفعيل العملي لمقتضيات هذا الاقتصاد الدائري.

-يتبع 1 على 5-

 

التعليقات مغلقة.