الى اين يتجه الامن الغداء للعالم (الحبوب نمودجا) في ضوء الحروب الحالية؟ الجزء الثاني

الى اين يتجه الامن الغداء للعالم (الحبوب نمودجا) في ضوء الحروب الحالية؟

الجزء الثاني

د. الحسن اشباني

مدير البحث سابقا و صحفي معتمد

 

العالم العربي والحرب الحالية

وبالنسبة للعالم العربي، رغم البعد الجغرافي لأوكرانيا عنها، لكن تأثير  الهجوم الروسي على هذا البلد الأوروبي، سيكون قاسيا معيشيا على عدة بلدان عربية خاصة إذا امتدت هذه الحرب فترة طويلة.

فعدة دول عربية تستورد القمح سواء من روسيا، أول مصدر عالمي لهذه المادة الحيوية، أو من اوكرانيا التي تحتل المرتبة الرابعة دوليا. والنزاع بين البلدين يؤدي تلقائيا لوقف الحركة التجارية مع الخارج. أولا بسبب الحرب على الأراضي الأوكرانية وثانيا لفرض عقوبات على الصادرات الروسية.

وتستورد الدول العربية مجتمعة 60 بالمئة من احتياجاتها للحبوب من روسيا وأوكرانيا إضافة إلى فرنسا ورومانيا. لكن لروسيا وأوكرانيا ثقل دولي خاص في توريد العالم العربي بالحبوب، نظرا لسعرها المنخفض في البلدين كما سنرى جليا ذلك أيضا على المستوى الافريقي .

فبحسب بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية الأونكتاد(*) المستندة إلى الفترة 2018-2020، فإن ما لا يقل عن 25 دولة أفريقية تستورد أكثر من ثلث قمحها من هذين البلدين و 15 منها تستورد أكثر من النصف. كما يظهر في الرسم البياني التالي، فان دولتين أفريقيتين تعتمدان اعتمادًا كليًا عليهما : كدولة بنين، التي تستورد القمح الروسي بنسبة 100٪، والصومال، التي تستورد 70٪ من أوكرانيا و 30٪ من روسيا. اما نسبة اعتماد دول أخرى مثل السودان فهو 75٪، وجمهورية الكونغو الديمقراطية  68٪  والسنغال  65٪. فقد تحولت غالبية الدول نحو روسيا، التي تزود القارة بما يصل إلى 32٪ (مقارنة بـ 12٪ لأوكرانيا)، فإن تونس وليبيا وموريتانيا تعتمد إلى حد كبير على القمح الأوكراني (30 إلى 50٪ من وارداتها).

اما في المغرب، فقد ذكرت الحكومة المغربية بداية هذا الشهر على لسان ناطقها الرسمي، إن الأزمة الروسية الأوكرانية لن يكون لها أي تأثير على واردات المغرب من الحبوب.

و تشكل روسيا وأوكرانيا على التوالي المورد الثاني والثالث للمغرب من القمح اللين بعد فرنسا. و قد الاستيراد المحتمل على مستوى القمح اللين من أوكرانيا كما ذكرت الحكومة في 25 بالمائة من مجموع الواردات، أي 8.7 ملايين قنطار، استورد المغرب قبل الأزمة 5.6 ملايين منها، ليتبقى نحو 3 ملايين الذي يمكن اقتناؤها بسهولة من أي منطقة أخرى حسب نفس المصدر.

اما بالنسبة للشعير، فان واردات المغرب من أوكرانيا تمثل 13 بالمائة من مجموع الواردات، مقابل 3 بالمائة بالنسبة لروسيا. و ان الكمية المتوقع استيرادها من الشعير من روسيا، حددت بـ0.6 مليون قنطار، منها 0.5 مليون قنطار تم اقتناؤها مسبقا.

وكانت الدولة المغربية، أعلنت في 24 فبراير2022، تحملها فرق أسعار القمح داخل البلاد بسبب ارتفاعها جراء تداعيات الحرب التي شنتها روسيا على اوكرانيا.

اثار الحرب على ساكنة العالم

مع ارتفاع أسعار النفط والغاز بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا، أصبح المستهلكون في جميع أنحاء العالم  يشعرون بآثار هذه الأزمة في مضخات الوقود أو على فاتورة الكهرباء المقبلة. ولكن ليس هذا فقط، حيث من المتوقع او اللحظة تعاش اليوم، لان العالم يشهد ارتفاع أسعار السلع الأخرى أيضًا، نظرًا لدور روسيا في سلسلة التوريد العالمية. في البيان التالي نلاحظ حجم ارتفاع الأسعار العالمية في بعض الامدادات الغدائية بين مارس 2021 و مارس 2022.

المصدر : www.independentarabia.com

 

بالإضافة إلى الهيدروكربونات والعديد من المعادن النفيسة مثل البلاديوم، تعد روسيا أيضًا منتجًا رئيسيًا للقمح، وهو أحد أكثر الحبوب استهلاكًا في العالم. وفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، بحيث أنتجت روسيا 86 مليون طن من القمح في عام 2020، مما يضعها مباشرة خلف الصين والهند. و إذا كان إنتاج الحبوب لدى العملاقين الآسيويين يهدف بشكل أساسي إلى تغطية احتياجاتهما المحلية، فإن روسيا هي المورد الرئيسي في العالم.

كما يوضح هذا الرسم البياني السالف المستند إلى بيانات الأمم المتحدة كومتريد، فإن روسيا وأوكرانيا من بين أكبر خمس دول مصدرة للقمح، مما يغذي المخاوف من أن الصراع قد يؤدي إلى تفاقم الضغط التضخمي على أرفف المواد الغذائية.

فخلال إطلاق الهجوم الروسي في أوكرانيا يوم الخميس 24 فبراير 2022، وصلت أسعار القمح إلى أعلى مستوى لها منذ عام 2008، مما أدى إلى تضخيم الارتفاع الذي استمر منذ منتصف عام 2020

تجدر الإشارة ان إنتاج القمح العالمي من 2011/2012 إلى 2021/2022 بلغ   أكثر من 765 مليون طن متري. ويمثل هذا زيادة بأكثر من 30 مليون طن مقارنة بالعام التسويقي السابق.

 

الدول العربية المهددة في أمنها الغذائي؟

ستعقد هذه الحرب، لا سيما إذا طال أمدها، مهمة الكثير من الأسر في مصر ولبنان واليمن وتونس ولربما دول عربية أخرى في توفير الرغيف على مائدة الطعام. وقد حذر معهد الشرق الأوسط للأبحاث من أنه “إذا عطّلت الحرب إمدادات القمح” للعالم العربي الذي يعتمد بشدة على الواردات لتوفير غذائه، “قد تؤدي الأزمة إلى مظاهرات جديدة وعدم استقرار في دول عدة”.

واليمن، أول بلد عربي مهدد بتأزيم وضعه الغذائي أكثر مما هو عليه اذ يحصل على نصف طلباته من الحبوب من روسيا وأوكرانيا، حسب المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي الموجود في اليمن ديفيد بيسلي.  لذا سيكون لهذه الحرب تأثير مأساوي غير مسبوق.

أما لبنان، يستورد بين 600 و650 ألف طن سنويا، ثمانون في المئة منها من

 

 

أوكرانيا. وليس عنده الا مخزون يكفيه على الأرجح لشهرين فقط إضافة الى وضعه الاقتصادي الصعب الذي الذي بدا  منذ سنوات مما  سيأزم اكثر حياة  المواطنين.

كما تواجه البلدان المغاربية أزمة غذائية أيضا بسبب الحرب في أوكرانيا التي تستورد اغلبها القمح الروسي والأوكراني نظرا لـسعره المنخفض مقارنة مع باقي الدول المصدرة للقمح والبعيدة عنها جغرافيا مثل الولايات المتحدة أو كندا و بلدان أمريكا اللاتينية.

وتحاول هذه الدول اتخاذ خطوات استباقية تحميها من سخط شعوبها. فالمغرب مثلا، الذي التهبت فيه الأسعار قبل اندلاع الحرب الأوكرانية، قام بزيادة مخصصات دعم الطحين إلى 350 مليون يورو، وعلقت الرسوم الجمركية على استيراد القمح.

اما تونس، فالوضع اشد ايلاما، اذ وتستورد تونس 60% من القمح من أوكرانيا وروسيا، ولديها مخزون يكفي حتى يونيو 2022، حسب وزارة الزراعة التونسية إضافة الى عجز البلاد عن سداد فواتير وارداتها من الحبوب، والقمح على وجه الخصوص، حيث لم تستطع تسديد أثمان شحنات  البواخر المحملة بالقمح المستورد و الراسية في ميناء صفاقس ، اذ عطّل هذا العجز عن السداد، عملية تفريغ الشحنات، ومن ثم تحميل الدولة التونسية خسائر مالية يومية عن هذا التأخير.

وفي الجزائر، ثاني مستهلك للقمح في أفريقيا وخامس مستورد للحبوب في العالم، يكفي المخزون ستة أشهر على الأقل. أما مصر، فتعتبر أكبر مستورد للقمح في العالم وثاني أكبر مستورد من روسيا، واشترت 3,5 مليون طن من القمح حتى منتصف يناير 2022، وفقا لشركة “إس آند إس غلوبال”. لديها حسب حكومتها مخزونا استراتيجيا يكفي الدولة فترة تقرب من تسعة أشهر.

اما دول الخليج بدورها مهددة بأزمة في مواردها الغذائية المستوردة من البلدين، وتحديدا اللحوم والحبوب، بدون أن يكون لذلك أي تأثير على أمنها الغذائي لان لديها قدرة على استيعاب كلفة أعلى للواردات في حالة ارتفاعها بفضل إمكانياتها المالية وارتفاع اثمنة النفط والغاز.

 

 

*   The United Nations Conference on Trade and Development

مع تحياتي انا الحسن اشباني

 

 

 

التعليقات مغلقة.